تعدّ مسألة الهوية منذ ولادة الدولة التركية الحديثة أحد أهم التحدّيات التي واجهت السياسة الداخلية التركية وفرضت بظلالها على سياستها الخارجية والإقليمية. وفي نهاية المطاف لا تزال تشكّل كابوساً مؤرقاً للعقل السياسي التركي. ورث مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك بقايا إمبراطورية واسعة، مثقلة بالمشكلات، وورث معها تعددية قومية ودينية تحدد معالم الخارطة الثقافية والاجتماعية لتركيا، تقسمها عمودياً وأفقياً. ولأجل خلق هوّية تركيا مركزية تستقطب حولها المكونات التركية، فرض عليها مواطنة قوامها أيديولوجيا علمانية تكرّس تفوق العنصر التركي وهيمنته، وبالنتيجة تنكرت الدولة الأتاتوركية لكل تعددية قومية أو ثقافية أو دينية قائمة تاريخياً في تركيا. كانت الأتاتوركية بمثابة لاصق أيديولوجية سريع العطب، لم يحقق لتركيا التماسك الهوياتي الداخلي طويل الأمد.
ناهيكم بتحدّي المسألتين القوميتين، الكردية والأرمنية، اللتان تفاقمتا منذ بدايات القرن العشرين، فقد عصف تناقض الإرث الثقافي الإسلامي للأتراك مع هوية الدولة العلمانية الفوقية بالحياة السياسية التركية منذ أواسط القرن العشرين. هذا الإرث عاد وتجلّى على شكّل حنين نوستلجي متجذر في الوعي المجتمع التركي مع نهايات القرن، واكتسب أبعاد سياسية حركية، واحتل خطابه فضاءاً واسعاً من الثقافة والسياسة التركية. وأخير برز كرؤية ومقاربة خلاصية للوضع الجيوسياسي التركي الذي فرض على تركيا مع نهايات الحرب الكونية الأولى.
اعتقد الرئيس التركي، ومنظّر المجال أو العمق الاستراتيجي أحمد داؤود أوغلو، أن العثمانية الجديدة هي هذا البديل السياسي والأيديولوجي لخلق هويّة تتجاوز تناقضات الدولة العلمانية وفشلها في خلق انسجام أو تماسك داخلي، كما تشكّل منصة عملية لتوسيع وتعميق النفوذ الجيوساسي التركي واستعادة المجد الإمبراطوري المبدد.
كلمات مفتاحية: الهوية، الخطاب، الأيديولوجية، الإسلام السياسي، العثمانية الجديدة، الأردوغانية..
Nostalgia of the Ottoman Caliphate
Analyzing identity discourse of Turkish president Recep Tayyip Erdogan
Assis. Prof. Dr. Sarbast Nabi
Koya University, Iraqi Kurdistan
[email protected]
تتعدد المظاهر والأدوار التمثيلية التي يرغب الرئيس التركي في تقديمها للجمهور وتتنوع بحسب المناسبة والحاجات الطارئة. إنه يريد أن يقدّم نفسه للجمهور بأنه الأمثل والأفضل في تمثيل هواجسه وتطلعاته ورغباته. فهو يظهر أحياناً بمظهر المؤمن الزاهد التقي، وينشر الفيديوهات عن نفسه وهو يتلو القرآن بتهدج وخشوع والدموع تذرف من عينيه. وفي أحوال أخرى يحمل المصحف بيده ويلوّح به للجمهور، موحيّاً بقوة إيمانه والتزامه، ثم يستعين بالمفاهيم القرآنية والمصطلحات الإسلامية في تبرير غزواته وحروبه، سواء في الداخل ضد معارضيه أم في الخارج، ويطلق التسميات والألفاظ المقدسة على جنوده ومعاركه، وكأن إلهاماً إلهياً أوحى إليه للقيام بذلك كما يزعم.
هذه البراغماتية تطبع مواقف أردوغان السياسية على الدوام وتعكس بعمق غياب كلّ التزام مبدئي لديه. ففي الوقت الذي يقدّم نفسه كعلماني ينتمي إلى الفضاء السياسي للغرب الرأسمالي وكعضو فاعل في الناتو، هو يعدّ نفسه زعيماً لا ينافس للأمة الإسلامية وللجماعات الأصولية وقائداً ثيوقراطياً مرجعاً لجماعات الإخوان المسلمين. وهو لا ينسى في كل الأوقات رفع( شارة رابعة) بيده أمام الجمهور في كل مكان لاستقطاب تعاطفه، في حين يرفع باليد الأخرى رمز( الذئاب الرمادية)(**) أمام حشود القوميين المتعصبين الأتراك، لإثبات ولائه وانتمائه لهم. فقد أدرك أردوغان بحسه الشعبوي أهمية استثمار العلاقة العميقة بين الشعور الديني الشعبوي السائد لدى قطاع واسع من الأتراك والشعور القومي، وشرع يوظفهما معاً لإنتاج وعي جديد بالهوية متجذر في الوجدان الجمعي التركي.
ولتحسين صورته أمام الغرب والرأي العام العالمي، لا يتردد الرئيس التركي في تقديم نفسه بصفته المدافع الأول عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرّيات في العالم كله. يتباكى على مهاجري الروهينغا، في الوقت الذي يقتلع فيه مئات الآلاف من الكورد من بيوتهم وقراهم. يعلن سخطه على اضطهاد الأويغور في الصين وهو يقمع ملايين الكورد ويتنكر لحقوق القوميات غير التركية ضمن حدود دولته. يتاجر بمحنة الفلسطينيين ويزايد في موقفه على جميع العرب علانية، لكنه في الواقع يعدّ الرئيس التركي الأكثر حرصاً على تعزيز العلاقات والتعاون الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل. يملأ المشهد بالصراخ والزعيق حول مصير صحفي مقتول ويشهّر دمه في وجه الجميع مثل( قميص عثمان) ويدعو للانتقام له في حين أن تركيا باتت في عهده أكبر معتقل للصحفيين في العالم.
كما يحلو للرئيس التركي أن يقدّم نفسه للجمهور التركي على أنه الضحية الرئيسة لمؤامرة إرهابية كونية تدار في الخفاء ضده لعرقلة طموحه في إنقاذ الدولة والأمتين التركية والإسلامية. فهو يحاول على الدوام أن يقدّم نفسه كمخلص للأمتين الإسلامية والتركية معاً، اللتين تتكالب عليهما الأمم والدول الأخرى. وعادة ما يلجأ إلى تبرير إخفاقاته السياسية وفشله بوجود تلك المؤامرة، التي تستهدف إخضاعه أو التخلص منه. وبذلك يلقى بمسؤولية فشل خططه على فكرة تآمر الإرهابيين ضده. من هنا يحلو له أن يعلن للعالم إنه المحارب الأوّل الأشدّ صلابة للإرهاب، مع العلم أن جميع الجهاديين في الشرق الأوسط والعالم، يبدون مثقلين بالامتنان والوفاء له على دعمه، بخاصة في سوريا والعراق. هكذا هو أردوغان، إنه بحسب الأحوال والأوقات، يقوم بتمثيل الدور ونقيضه، وفي كلّ هذا وذاك هو ليس سوى نفسه..
الأردوغانية ليست خطاباً نظرياً أو رؤية فكرية، مستقلة ومتماسكة، في السياسة، ولا تشكّل إضافة معرفية هامة في عالم الفكر السياسي والفلسفة. لكنها في الوقت نفسه تعبر عن ممارسات خطابية أو جملة ممارسات ومواقف أيديولوجية وعملية متميزة، تعكس رؤية سياسية وتجسّد نمطاً خاصاً من السلوك السياسي يستلهم خصائصه من الإرث المشترك والتقاليد العامة بين الطغاة والمستبدين القوميين، لكنه يتخذ هنا طابعاً سياسياً وثقافياً ورمزياً خاصاً بتاريخ الدولة والمجتمع التركيين.
استطاع أردوغان خلال العقدين الأخيرين من حكمه للدولة التركية، أن يفرض هذا النموذج السياسي والأيديولوجي الخاص ويطبع به السياسة التركية، من خلال الانفصال التدريجي عن النموذج الأتاتوركي/ العلماني Ataturkism، الذي كان سائداً ومهيمناً على الحياة السياسية. وقد ارتبط هذا التحوّل الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية، بصعود حزب العدالة والتنمية، وعدّ قطيعة مع الاستراتيجيات الكمالية التي كانت تنشد الانضمام إلى الفضاء الثقافي والأيديولوجي الأوروبي.
تؤرّخ بدايات هذا التحول نحو( العثمنة الجديدة) عادة بالسياسات الخارجية التركية التي اعتمدتها حكومة تورگوت أوزال Turgut Özalوهدفت إلى إعادة الاعتبار والدور للنفوذ التركي في البلقان والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إلا أن المبشّر والمنظّر الحقيقي للدبلوماسية العثمانية كان أحمد داؤود أوغلو Ahmet Davutoğluالذي تولى وزارة الخارجية عام ٢٠٠٨ وكرّس القطيعة مع التقاليد الكمالية للسياسة الخارجية التركية، ذات التوجه الحاسم نحو الغرب الأوروبي منذ حوالي ثمانين عام.
في مقابل هذه القطيعة أو الانفصال عن التقاليد الكمالية أعلن أردوغان صراحة ومراراً، إن تركيا المعاصرة هي وريثة الإمبراطورية العثمانية، ومن ثم من واجبها استعادة هويتها العثمانية المفقودة تلك وإعادة إنتاجها سياسياً وأيديولوجياً، وبالتالي استرداد كل التراث المهدور والمستلب للعثمانية على المستوى السياسي والثقافي وحتى على مستوى النفوذ الإقليمي. إلا أن اندفاع أردوغان نحو العثمنة الجديدة لم تقتصر على السياسية الخارجية فحسب، إنما بالقدر نفسه نحو إحداث تحولات بنيوية مجتمعية وسياسية جذرية ترتبط بهويّة الدولة التركية ونظامها السياسي، فضلاً عن تطلعاته التوسعية نحو الهيمنة واستعادة التركة والنفوذ الجيوسياسي المفقود للإمبراطورية العثمانية.
لقد نشأت الأتاتوركية من رحم الدولة العثمانية، التي كانت آخذة بالتفسخ والموت، وعادت وانتهت بالتفسخ في العثمانية الجديدة، وتعدّ الأردوغانية إِيذاناً ببرهة التفسّخ الأخيرة وتمثلها بكل تركتها الثقيلة والكريهة. الأردوغانية هي نتاج أسوأ ما في الحقبتين التاريخيتين، الإمبراطورية العثمانية والجمهورية القومية الأتاتوركية، من تقاليد سياسية وإرث. إنها ثمرة تلاقي وتلاقح النزوع الإمبراطوري الدفين في الذاكرة القومية لاستعادة الأمجاد الإمبراطورية التوسعية، القائمة على طغيان أغلبية دينية ومذهبية من جانب أول، ومن جانب آخر النزعة الطورانية الأتاتوركية، التي تنادي بالتفوق العرقي وهيمنة العنصر التركي على بقية الشعوب المحيطة، إنها وريثة المظهرين. من هنا ازدهرت السردية الأيديولوجية للعثمانية الجديدة وتجسدت عملياً في الظاهرة الأردوغانية، التي هي واقع السلطة العثمانية وقد تشخصنت في مستبد. إن بنية الأيديولوجيا العثمانية الجديدة تتكون من جملة ممارسات ومواقف سياسية منحرفة مع خلطة تصورات وآراء فكرية متطرفة تجمع بين الطموحات القومية العنصرية التركية والإسلام السياسي المتشدد في إهاب عثماني توسعي يتطلع إلى الهيمنة على بقية الشعوب وجعلها تحت الزعامة القومية للعنصر التركي.